
موقع موعظة
المنصة الإسلامية الشاملة للقرآن والسنة

المنصة الإسلامية الشاملة للقرآن والسنة
تصفح واستمع لأكثر من ٣٬٨٤٣ مادة صوتية تضم آلاف المحاضرات والتلاوات النافعة
فإن من أَجَلِّ الأئمة الأعلام الذين يُقتدى بهم: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقد تواتر ثناء العلماء عليه، وهو الذي نصر الله به الدين في فتنة القول بخلق القرآن، كما كان واسع العلم، حسن العشرة لأهله، سليم الصدر للمسلمين، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا.
فقد حرص الإسلام على بقاء الأخلاق الفاضلة، وعلى تحلي الناس بها، كالصدق الذي يقود صاحبه إلى الجنة، وله مجالات واسعة وصور كثيرة، كما شدد الإسلام على أهمية التخلص من الأخلاق الرديئة كالكذب، فهو من أقبح النقائص، وأرذل الرذائل، وهو من صفات المنافقين.
لقد امتن الله تعالى على العباد بالعقل، فنهى عن تعاطي ما يؤدي إلى تعطيله عن القيام بمهمته، كالمسكرات والمفترات والمخدرات، والتي تعتبر من المنكرات العظيمة، والخبائث التي يسعى أعداء الإسلام لنشرها بين المسلمين.
فإن الأمن مطلب عزيز وكنز ثمين، اعتنى به الإسلام أشد العناية، فشرع الأوامر، ونهى عن المفاسد والشرور، وشرع الحدود والزواجر لحفظ الأمن، وفي الأمن تقام الصلاة والصوم والزكاة والحج والحدود، وعند فقدانه تظهر الفتن، ويكثر الخبث وتعم الفوضى.
فإن الابتلاء سُنَّة من سنن الله - عز وجل -، ومن تلك الابتلاءات ما ابتلي به بعض المجتمعات من خروج طائفة ضالة تستهدف الدماء المعصومة، وهم بذلك على خطر عظيم ووعيد شديد، وما أوتوا إلا من قبل جهلهم وغلوهم وعدم الرجوع إلى علماء الأمة المعتبرين، فيجب توعية الناشئة، وتذكيرهم ليعظموا أوامر الله وحرماته، ويحذروا سخطه ونواهيه، وكما تدرك الأمة عظم ذنب تارك الصلاة، يجب أن تدرك عظم هذا الإفساد وخطره على الدين والدنيا.
فإن سنن الله في الكون وآياته في الخلق جارية، والقوارع بين الحين والحين نازلة، وسبب هذه النوازل كثرة ذنوب الخلق، والإعراض عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وانتشار الفواحش، وفشو الربا في كل مكان، حتى صار يمارسه القاصي والداني، فتوبوا إلى الله مما أنتم عليه من العصيان تبصروا، فإنكم عن قريب إليه صائرون، فهل أنتم على عذابه صابرون أو على رفع بأسه قادرون؟!
فإن الذنوب والمعاصي سبب رئيس في نزول البلايا والمصائب، ولا يمكن دفعها إلا بسلوك الأسباب المنجية، والمتمثلة في الرجوع إلى الله، مع التضرع والتوكل عليه، والتحلي بتقوى الله، والإكثار من التوبة والاستغفار، وغيرها من الطاعات.
فقد ضرب السلف أروع الأمثلة في شدة اقتدائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه في شتى المجالات، ومن ذلك الإخلاص لله، والحرص على الصلاة والخشوع فيها، ودوام ذكر الله تعالى، والمسارعة إلى الصدقة عن طيب نفس، والإحسان في معاشرة النساء والورع والنزاهة وحسن الظن، وطلبهم للعلم والفقه.
إن الإسلام رفض الإرهاب والعنف بجميع أشكاله وألوانه وصوره؛ لأنه قائم على الإثم والعدوان وترويع الآمنين، وتدمير الممتلكات، والاعتداء على الأموال والأعراض والحريات وكرامة الإنسان، وعليه فيحرم تمويله وإعانته، ويجب دفعه وإنكاره.
للعلم والعلماء فضل كبير، دلّ على هذا القرآن والسُّنة وآثار السلف، ولهذا مما يوصى به طلبة العلم: الإخلاص، وتقوى الله، وقوة العزيمة، ومشافهة العلماء، والعمل بالعلم، والتفرغ لطلبه، وضبط اصطلاحات العلماء، والعناية بحفظ المتون والمختصرات، والتدرج في الطلب، وغيرها.
فإن العلم من أعظم القربات إلى الله تعالى، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وقد وضع هؤلاء العلماء زبدة علمهم في مؤلفات نقلوها إلى تلاميذهم، وطالب العلم ينبغي له أن يقتنص كنوز سلفه، وينهل من علمهم حتى يفهم كلام الله، وكلام نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومن هذه المُصنفات: زاد المستقنع في اختصار المقنع، والذي صنَّفَه العلامة الشيخ شرف الدين الحجاوي - رحمه الله تعالى -، وقد اقتصر فيه على القول الراجح في مذهب الإمام أحمد - رحمه الله -، وحذف ما يندر وقوعه من المسائل مما هو مذكور في أصله الذي هو المقنع، وزاد من الفوائد ما يعتمد على مثله مما ليس في المقنع.
فإن التاجر إذا دخل موسمٌ من مواسم التجارة، فتاجر فيه وباع واشترى طلبًا للربح، فإنه بعد انتهاء هذا الموسم وتصفية معاملته فيه ينظر مبلغ ربحه، وما حصل عليه من مكاسب، ينظر هل ربح أو خسر؟ هل غنم أو غرم؟ ونحن قد مرّ بنا موسم من مواسم تجارة الآخرة الباقية، تجارة تُنجيكم من عذابٍ أليم، قد مرَّ بنا شهر رمضان المبارك، يربح فيه العامل في ليلةٍ واحدة ثواب العمل في ألف شهر. ويفوز في هذا الشهر أهل الاستقامة والصلاح برحمة الله، ويحصل فيه المذنبون على مغفرة الله، ويُعتق فيه المستحقون لدخول النار من أصحاب الكبائر الموبقة، يُعتَقون فيه من النار إذا تابوا إلى ربهم، لقد مرَّ بنا هذا الشهر بخيراته، وعِشنا أيامه ولياليه، فلنحاسب أنفسنا ماذا ربحنا فيه؟ ماذا استفدنا منه؟ ما أثره على نفوسنا؟ وما مدى تأثيره على سلوكنا؟ هل ربحنا أو خسرنا؟ هل قُبِل منا ما عملنا فيه أو رُدَّ علينا؟
فرمضان خير الشهور، وينبغي للعبد أن يغتنمه بالطاعات، ومن قصر في صيامه، وأتى بما يتناقض مع حكمته جبر ذلك بزكاة الفطر، التي يجب على العبد أن يخرجها عن نفسه، وعن كل من يعول، وفي هذه المحاضرة القيمة ذكر وصايا قبيل رحيل رمضان، وفرضية زكاة الفطر على الصائمين، وبيان وقت إخراجها، ووجوب صلاة العيد، وبيان بعض آداب يوم العيد.
في بيان النصوص الدالة على فضيلة العشر الأواخر من رمضان، ومشروعية الاعتكاف ومحظوراته، مع التحذير من تضييع العشر في غير طاعة الله عز وجل، وذكر فضائل ليلة القدر، وكيفية تحديدها، والحث على اغتنامها بالطاعات والقربات.
فإنَّ رب الشهور واحد، وإن رب رمضان هو رب شوال، وهو رب الشهور كلها، وكما أنه ينبغي أن يحافظ المرء على طاعته وعبادته في شهر رمضان، فإن الواجب على كل مسلم أن يحافظ على طاعة الله، ويَجِدَّ في عبادته في كل وقت وحين، في الشهور كلها، وفي الأعوام جميعها إلى أن يتوفاه الله تبارك وتعالى وهو على حالة رضية وسيرة مَرْضِية.
فإن الزكاة ليست مِنّةً منك ولا تفضلًا، ولكن حقوق واجبة، فهي فريضة مفروضة؛ ليُمتحَن بها إيمانك، هل أنت مؤمن حقًّا تخالف هوى النفوس ومشتهياتها، فتقدم تلك الزكاة طاعةً لله والتماسًا لثوابه؟
فإن الصوم من أجَلِّ القربات لله - عز وجل -، وينبغي للصائم أن يتحلى بأخلاق وآداب وواجبات، تحفظ له صومه، وترفع درجته، وتقربه من ربه.
فإياك يا عبد الله أن ترتكس في حبائل الشيطان، فتعرض عن الأعمال الصالحة التي تقربك إلى الرحيم الرحمن، فالأمال الصالحة يشمر لها المُجِدُّون عن سواعدهم، طلبًا لمرضاة الله - سبحانه -, وطمعًا في العتق من النار في هذا الشهر المبارك، وفي مغفرة الله - جلا وعلا -، وفي الجنة والرضوان، وخوفًا من العذاب في النيران.
فإن مما ائتمن الله - عز وجل - عليه عبدَه المؤمن: فريضة الصيام، فصيام رمضان فريضة افترضها الله عليك، وائتمنَك على هذه الفريضة، ائتمَنك على أدائها، بأن تلتزم بذلك وقتًا، ثم تلتزم البعد عما ينافي هذا الصيام، فيكون صيامك لله صيام صدق على الحقيقة.
فإننا قد أدركنا هذا الشهر المبارك، وها نحن نعيش أيامه الأخيرة، وربما أن بعضنا لن يدرك رمضان القادم؛ فلنغتنم ما بقي من أيام هذا الشهر الكريم في التوبة إلى الله، والإنابة إليه - جل وعلا - والرجوع إليه، وإذا كنا قد فرطنا أو قصرنا فيما مضى من أيام هذا الشهر، فلنغتنمْ ما بقي منه.
اعلم أن العبادات لا تطهِّر النفوس، ولا تزكِّي الأبدان إلا بالإخلاص لله - تعالى - فيها، وابتغاء وجهه بالعبادة، مع موافقة العبادة لسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فاحرص أيها المسلم على كمال صيامك وقيامك، فما هي إلا أيام ثم تُطوَى الصحائف بما كان.
فإن من سعادة ابن آدم أن يُحاسب نفسَه على فعل الحسنات، وعلى الابتعاد عن السيئات، فمن أعانه الله ووفَّقه للطاعات في شهر رمضان فيما مضى من أوقاته فليحمَد الله - تبارك وتعالى -، وليُتبِع الصالحات من الأعمال فيما كان من الأوقات الخاليات بصالح الأعمال في الأيام الباقيات، فما أحسن الطاعات بعد الطاعات، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات، والأعمال بالخواتيم، فاختِموا شهركم بخير ما تقدرون عليه.
فإنه قد بقيت من أيام شهر رمضان بقية, فهل تضيع هذه البقيّة في غير قربة؟ هل تفتر العزائم؟ هل نتمنّى على الله الأماني؟ هل نحسن الظن ونُسيء في العمل؟ هل نرجوا رحمة الله مع إصرارنا على العصيان؟ هل نبكي خوفا دون ترك ما يُخاف منه؟ هل فينا من لا يريد العتق من النار؟! هل فينا من لا يطمع في الجنة؟!
فإن رمضان زمن العبادة والأعمال الصالحة والطاعات، لاسيما وقد أقبلَت أيام العشر الأواخر، فينبغي على المسلم العناية بهنَّ والاجتهاد فيهنَّ.
فإن الصوم عبادة من أجلِّ العبادات، وقربة من أشرف القُربات، وطاعة مباركة لها آثارها العظيمة الكثيرة، العاجلة والآجلة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح والحواس من الفتن والشُّرور، وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلِكة، والفوز بأعالي الدرجات - ما لا يُوصَف.